RAIK OUSSAMA

برامج+ العاب + فكاهة.....
 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 صفة حجة النبي- صلى الله عليه وسلم 4/4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الرايق اسامة
Admin
avatar

ذكر عدد الرسائل : 74
تاريخ التسجيل : 07/06/2008

مُساهمةموضوع: صفة حجة النبي- صلى الله عليه وسلم 4/4   الأحد يونيو 08, 2008 3:16 am

تنفس الصبح وأضاءت خيوط
الفجر الأولى، وقام – صلى الله عليه وسلم- مسارعاً إلى صلاة الفجر، فصلاها
في غاية البكور في أول الوقت، ثم ركب راحلته وتوجه إلى (المشعر الحرام)
فاستقبل القبلة ورفع يديه، يدعو ويلبي، ويكبر ويهلل على حال من الضراعة
والخضوع، وهو -مع ذلك- يعلم الناس ويبين لهم، فقد جاءه عروة بن مضرس،
فقال:يا رسول الله، جئتك من حبلي طي، أتعبت نفسي وأنصبت راحلتي، والله ما
تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ قال – صلى الله عليه وسلم-: (من
شهد معنا هذه الصلاة - يعني صلاة الفجر بجمعٍ- ووقف معنا حتى نفيض منه،
وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه).
وبقي – صلى الله عليه وسلم- في المشعر الحرام حتى أسفر جداً، وقاربت الشمس
أن تطلع، فدفع ركابه الميمون من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفاً هدي
المشركين، فإنهم كانوا لا يدفعون من مزدلفة إلا عند طلوع الشمس على رؤوس
الجبال مثل عمائم الرجال، دفع – صلى الله عليه وسلم- وهو على حال من
السكينة، ونداؤه للناس حين دفعوا معه (عليكم السكينة) وهو كاف ناقته،
كحاله في شأنه كله – صلى الله عليه وسلم- رفيق يحب الرفق، حتى إذا وصل
وادي محسر – بين مزدلفة ومنى – أسرع قدر رمية بحجر، وأردف ابن عمه الفضل
بن العباس بن عبد المطلب، وأمره أن يلقط له حصى الجمار، فالتقط له سبع
حصيات صغار بحجم حبة الحمص أو أكبر قليلاً، فوضعهن في يده، ثم قال للناس:
(بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم
الغلو).
حتى إذا وصل النبي – صلى الله عليه ومسلم – إلى جمرة العقبة
استقبلها جاعلاً منى عن يمينه، ومكة عن يساره، ومعه بلال وأسامة، أحدهما
ممسك بخطام ناقته، والآخر رافع ثوباً يظلله به، وهو يرمي جمرة العقبة بسبع
حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، وقطع التلبية التي كان قد لهج بها مع رميه
وتكبيره عند جمرة العقبة، وكان في شأنه كله متواضعاً لله معظماً لشعائره،
قال قدامه بن عبد الله – رضي الله عنه-: " رأيت رسول الله – صلى الله عليه
وسلم – يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر على ناقةٍ صهباء لا ضرب
ولا طرد ولا إليك إليك.
وازدحم الناس حوله فقال: (يا أيها الناس لا
يقتل بعضكم بعضا وإذا رميتم فارموا بمثل حصى الخذف، ولتأخذوا مناسككم،
فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)، وكان الناس حولـه يصله من شاء
منهم، الرجل والمرأة، والكبير والصغير، لا يُدفع عنه أحد ولا يُبعد، فجاءت
امرأة حسناء شابة تسأله والفضل ردفه، -وكان شاباً وسيماً وضيئاً حسن
الشعر- فجعلت تنظر إليه وطفق ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي – صلى
الله عليه وسلم- فإذا الفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل، فدفع
وجهه عن النظر إليها، فنظر من الشق الآخر فصرف وجهه مرةً أخرى، حتى قال
أبوه العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، فقال – صلى الله عليه وسلم-:
(رأيت غلاماً حدثاً وجارية حدثةً فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان)، فقالت
المرأة: يا رسول الله، إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع
أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال : (نعم حجي عنه).
ولا تدري ممَّ
تعْجَب في هذا المشهد، هل من تواضع النبي – صلى الله عليه وسلم- وقربه من
الناس ودنوه منهم، حتى تجترئ عليه فتاة في هذا المشهد الحافل بهذا السؤال
وهذه الحال، أم من تفهّم النبي – صلى الله عليه وسلم- لنوازع الشباب، وما
جبلت عليه النفوس الفتية؟! فيسارع بالتأديب اللطيف الذي يجمع الرفق
والمودة، ولا يستثيره تكرر المشهد إلى العنف أو الغلظة، أم من جرأة النبي
– صلى الله عليه وسلم- على ابن عمه وقريبه دون المرأة؛ لأن الفضل يحتمل من
رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ما لا تحتمله فتاة غريبة.
ثم وقف
رسول الله – صلى الله عليه وسلم- للناس على ناقته العضباء بين الجمرات،
وأطاف به أصحابه كأن على رؤوسهم الطير، فخطبهم خطبة عظيمة فتح الله لها
أسماعهم حتى سمعوه في منازلهم، فقال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم
خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم؛ ثلاثة
متواليات؛ ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى
وشعبان". ثم قال: "ألا أي يوم هذا؟" قلنا : الله ورسوله أعلم. فسكت حتى
ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: "أليس يوم النحر؟" قلنا: بلى. ثم قال:
"أي شهر هذا؟" قلنا : الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير
اسمه. قال:"أليس ذا الحجة؟" قلنا: بلى. ثم قال: "أي بلد هذا؟" قلنا: الله
ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال:"أليست البلدة؟"
قلنا: بلى. قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم
هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا
لا ترجعوا بعدي ظلال يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد
الغائب، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه".
وجعل يتطاول
للناس ويقول: "ألا تسمعون"، واستشعر الناس أنها موعظة مودع، فقام رجل من
طائفة الناس فقال: يا رسول الله اعهد إلينا قال: صلُّوا خمسكم، وصوموا
شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم، وثار الناس إلى رسول الله – صلى
الله عليه وسلم- يسألونه وجاءت الأعراب من هاهنا وهاهنا فسألوه فقالوا: يا
رسول الله نتداوى؟ قال:"نعم، تداووا فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء
غير داء واحد الهرم". فسألوه عن أشياء هل علينا حرج في كذا وكذا؟ فقال:
"عباد الله وضع الله الحرج إلا امرأً اقترض مسلماً ظلماً فذلك حرج وهلك"
قالوا : ما خير ما أعطي الناس يا رسول الله؟ قال: "خلق حسن".
ومنهم من
قدم من أقاصي الجزيرة، يسألونه عن أحكام المناسك، فمن قائل: نسيت أن أرمي
الجمار فقال: (ارم ولا حرج) ومن قائل: حلقت قبل أن أذبح فقال: (اذبح ولا
حرج)، وجاءه رجل فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال: (ارم ولا حرج) فما
سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (افعل ولا حرج) وما سألوه عن شيء إلا
قال: ( لا حرج، لا حرج)، ثم قالقد أذهب الله الحرج، إلا رجلا اقترض امرأً مسلماً، فذلك الذي حرج وهلك).
ثم نزل النبي – صلى الله عليه وسلم- منـزله بمنى -وهو مكان مسجد الخيف
الآن- وأنزل المهاجرين بميمنه والأنصار يسرته، والناس حولهم من بعدهم.
وسأله أصحابه أن يبنوا له بمنى بناءً يظله، فأبى عليهم أن يكون له بناء
يميزه في هذا المشعر عن سائر الناس، وقال: (لا، منى مناخ من سبق).
ثم انصرف إلى المنحر- وهو ما بين المسجد والجمرة الصغرى- لينحر هديه،
وقال: (ادعوا لي أبا حسن)، فدعي له علي، فقال: (خذ بأسفل الحربة)، وأخذ
رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بأعلاها، ثم قربت إليه البدن أرسالاً،
فإذا العجب كل العجب يقع من هذه الإبل العجماوات وهي تقرب إلى رسول الله –
صلى الله عليه وسلم- لينحرها قرباناً لربه -عز وجل-. لقد جعلت الإبل
يزدلفن لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- أيها يبدأ به أولاً! إنها
الحيوانات التي يقال لها يوم القيامة: كوني ترابا،ً ومع هذا تزدلف إلى
رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أيها يبدأ به أولاً لينحرها، فماذا يقول
المؤمن برسول الله المتبع لدينه، أما كانت أعيننا عمياً وآذاننا صماً
وقلوبنا غلقاً، حتى فتحها الله وأحياها بمحمد – صلى الله عليه وسلم- فكيف
ينبغي لحبها له أن يكون؟.
أما والله لو ذابت القلوب في أحنائها، وتفتت
الكبود في أجوافها؛ حباً له وشوقاً إليه لما كانت –وربي- ملومة، فصلوات
الله وسلامه وبركاته عليه.
نحر – صلى الله عليه وسلم- هديه فنحر -بيده
الشريفة- ثلاثاً وستين بدنة، بعدد سني عمره المبارك، ثم أمر علياً بنحر ما
بقي منها، وقال للناس: (من شاء اقتطع)، وأمر علياً أن يقوم عليها، وقال
له: (اقسم لحومها وجلودها وجلالها بين الناس، ولا تعطين الجزار منها
شيئاً، نحن نعطيه من عندنا، وخذ من كل بعير حذية من لحم، واجعلها في قدر
واحد؛ حتى نأكل من لحمها ونحسوا من مرقها) وقال: (نحرت ها هنا ومنى كلها
منحر).
ثم دعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بالحلاق ليحلق رأسه
المقدس، فجاء معمر بن عبد الله ومعه الموسى، فنظر رسول الله – صلى الله
عليه وسلم- في وجهه، ثم قال له ملاطفاً : (يا معمر، قد أمكنك رسول الله من
شحمة أذنه وفي يدك الموسى) فقال معمر: والله يا رسول الله إن ذلك لمن نعم
الله علي ومنه، فقال – صلى الله عليه وسلم- : (أجل) ثم قال له: خذ، -وأشار
إلى جانبه الأيمن- فأطاف به أصحابه، ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل،
فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم قال للحلاق: خذ -وأشار إلى
جانبه الأيسر- ثم قال: أين أبو طلحة؟ فجاء أبو طلحة، فدفع إليه شعر رأسه
الأيسر كله، وكأنما استعاد – صلى الله عليه وسلم- عشر سنين قضاها في
المدينة، وبيت أبي طلحة وزوجه أم سليم وربيبه أنس بن مالك، كأنما هو من
بيوت النبي – صلى الله عليه وسلم-، خدمةً لرسول الله، وعناية بشأنه وقرباً
وحفاوة، فإذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يختاره هذا اليوم على أهل
هذا الموقف كلهم، فيعطيه شعر شق رأسه كله، ويناوله ما لم يناول أحداً
مثله، وينطلق أبو طلحة يحوز الشعر المقدس، وكأنما طلاع الأرض ذهباً وفضة
بين يديه – رضي الله عنه-.
ودعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم-
للمحلقين فقال: (اللهم ارحم المحلقين) قالوا : والمقصرين يا رسول الله؟
قال : (اللهم ارحم المحلقين)، قالوا : والمقصرين يا رسول الله؟ قال:
(اللهم ارحم المحلقين) قالوا : والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين.
قال مالك بن ربيعة – رضي الله عنه-: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم-
يقول ذلك وأنا –يومئذ- محلوق الرأس فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم.
وبعد أن رمى –صلى الله عليه وسلم- يوم العيد ونحر وحلق نزع إحرامه ولبس
ثيابه، وطيبته عائشة – رضي الله عنها- بأطيب ما تجد من الطيب، وضمخت
بيديها رأسه الكريم مسكاً، ثم ركب- صلى الله عليه وسلم- إلى البيت مردفاً
أسامة بن زيد، فلما وصل الكعبة طاف راكباً يستلم الحجر بمحجن كان معه،
فلما فرغ من طوافه ذهب إلى سقاية عمه العباس، حيث كان يسقي الناس النبذ
فاستسقى من أوعيتهم التي يجعلون فيها سقاية الناس، فقال عمه العباس: (يا
فضل اذهب إلى أمك) فأت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بشراب من عندها
فأبى – صلى الله عليه وسلم- ذلك، وقال: (لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب
منه الناس) قال يا رسول الله: إنهم يضعون أيديهم فيه، يشير إلى أن أيدي
الناس تقع في هذه الأوعية الكبيرة، وأراد أن يسقي رسول الله – صلى الله
عليه وسلم- بشراب يخصه به، ولكن النبي – صلى الله عليه وسلم- أبى أن يكون
له تميز في أمر السقاية، وأن يختص نفسه بما لا يشركه فيه غيره، حتى وإن
كان شراباً يؤثره به عمه، لذا أعاد عليه أخرى (اسقني) فسقاه عمه العباس
مما يشرب منه الناس، فقال – صلى الله عليه وسلم- (أحسنتم وأجملتم، هكذا
فاصنعوا)، ثم أتى زمزم - وبنو عبد المطلب يسقون ويعملون فيها- فقالاعملوا
فإنكم على عمل صالح)، فنزعوا له دلواً فشرب منها، ثم مجَّ فيها من فمه
الطيب مجة، فأخذوها وأفرغوها في زمزم؛ حتى تعم بركة بقية شرابه ومجته من
بعده، ثم قال لهم: (لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي، حتى أضع الحبل على
هذه) وأشار إلى عاتقه، وذلك أنه لو نزع لصارت سنة يتبعه فيها الناس،
ولغُلِبَ بنو العباس على سقايتهم التي كانت من مآثرهم قبل الإسلام، ولذا
شرب من الدلو مع الناس، ولم ينزع مع بني عمه حتى لا يغلبوا عليها.
ثم
عاد – صلى الله عليه وسلم- إلى منى، فصلى بالناس صلاة الظهر، ولك أن
تتساءل: كيف اتسع وقته لكل هذه الأعمال من الرمي، والخطبة، وإفتاء الناس،
وانزالهم منازلهم، ثم النحر لثلاث وستين بدنة، ثم الحلق، والتهيؤ للطواف
باللباس والطيب، ثم القدوم للبيت والطواف، ثم الرجوع بعد ذلك؟!.
فكيف
اتسع لذلك كله صخوة من نهار، إنها البركة التي جعلها الله في وقته وعمله،
ولذا أنجز في هذا الوقت كل هذه الأعمال الكثيرة، فإن أبيت التساؤل فانظر
كيف اتسعت ثلاث وعشرون سنة من عمره لأعظم إنجاز في تاريخ البشرية، وهو
بلاغ رسالات الله إلى الخلق، واستنقاذهم من النار، وإخراجهم من الظلمات
إلى النور.
عاد –صلى الله عليه وسلم- إلى منى، فمكث بها يومه يصلي
الصلوات في أوقاتها ويقصر الرباعية منها، ووقته معمور بالذكر؛ عملاً بقول
الله –عز وجل-:"واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم
عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى".
والمستشرف لأخبار النبي وحاله يُرى أنه –صلى الله عليه وسلم-كان يكبر في قبته ويكبر أهل منى بتكبيره حتى ترتج فجاج منى بالتكبير.
حتى إذا كان اليوم الحادي عشر –ويسمى يوم الرؤوس- خطب الناس على بغلة
شهباء وعليه برد أحمر، وعلي –رضي الله عنه- يبلغ عنه الناس، قال رافع بن
عمرو المازني –رضي الله عنه-: أقبلت مع أبي وأنا غلام وصيف أو فوق ذلك في
حجة الوداع فإذا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يخطب الناس على بغلة
شهباء وعلي بن أبي طالب –رضي الله عنه- يعبر عنه والناس من بين جالس وقائم
فجلس أبي وتخللت الركاب حتى أتيت البغلة فأخذت بركابه ووضعت يدي على ركبته
فمسحت حتى الساق حتى بلغت بها القدم ثم أدخلت كفي بين النعل والقدم فيخيل
إلي الساعة أني أجد برد قدمه على كفي.
ولأن عجب رافع بن عمرو من برد
قدم النبي –صلى الله عليه وسلم- فإننا نعجب من برد خلقه، وطيبه نفسه، إنها
النفس الرضية والخلق العظيم أن يمضي –صلى الله عليه وسلم- في خطبته ويدع
الغلام يمسح قدمه، ويدخل يده تحت شراك نعله وهو ماضٍ في شأنه معلماً بحاله
ومقاله.
فلما زالت الشمس توجه إلى الجمرات ماشياً فبدأ بالصغرى فرماها
بسبع حصيات يكبر الله مع كل حصاة ثم تقدم حتى أسهل ليبعد عن زحام الناس،
فرفع يديه واستقبل القبلة ودعا وتضرع طويلاً، ثم قصد الجمرة الوسطى فرماها
كما رمى الصغرى، ثم أخذ ذات الشمال واستقبل القبلة ورفع يديه داعياً
متضرعاً وأطال الوقوف، ثم رمى جمرة العقبة ولم يقف عندها.
وهكذا صنع
في اليوم الثاني عشر والثالث عشر، وكان –صلى الله عليه وسلم- سمحاً في
إقامة المناسك –وهو المبعوث بالحنفية السمحة-، ميسراً للناس رفيقاًَ بهم،
فمن ذلك أنه رخص للرعاة أن يرموا يوم النحر ثم يدعوا يوماً ثم يرموا من
الغد، ورخص للعباس أن يبيت بمكة لأجل سقايته، ولم يحفظ عنه في حجته أنه
أوجب دماً على أحد برغم كثرة الجموع معه، وكونهم حدثاء عهد بالإسلام،
يؤدون حجهم أول مرة، وإنما كان هجيراه للناس افعل ولا حرج، لا حرج لا حرج،
قد أذهب الله عنكم الحرج، مصدقاً قول ربه: "وما جعل عليكم في الدين من
حرج".
وهكذا انقضت ثلاثة أيام ورسول الله –صلى الله عليه وسلم- في منى
التي شهدت فجاجها وشعابها دعوته الأولى قبل بضع عشرة سنة، يوم كان يغشى
قبائل العرب في مواسمها، ويدخل عليها فجاج منى يدعوهم إلى الله، وقومه
جُرءَاءُ عليه، يجاهرونه بالكفر، ويبادرونه بالعدوان، ويتعاقدون على
القطيعة، يذكر هذا كله وفجاج منى تذكره بماضيها معه، وماضيه معها، يوم سرى
في ظلمة الليل مواعداً عصبة الأنصار، يتسللون إليه تسلل القَطا ليبايعهم
على الهجرة، مستخفياً من قومه أن ينذروا به، هل ذكَّرت منى رسول الله –صلى
الله عليه وسلم- هذا وغيره ليقول لما سئل: أين تنزل غداً يا رسول الله؟
قال: ( في خيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر).
لقد اختار رسول
الله –صلى الله عليه وسلم- خيف بني كنانة مكاناً لنزوله إذا خرج من منى؛
ليظهر جميل صنع الله وصدق موعوده، فهذا المكان هو الذي تعاقدت فيه قريش
وحلفاؤها بنو كنانة على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب فلا يبايعوهم ولا
يناكحوهم حتى يسلموا إليهم محمداً، جهداً منهم أن يطفئوا نور الله والله
متم نوره ولو كره الكافرون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا
يعلمون، ثم ها هو محمد –صلى الله عليه وسلم- ينزل في ذات المكان وقد أظهره
الله على الدين كله، ونصره وأعزه، وفتح له فتحاً مبيناً، وأكمل له الدين،
وأتم عليه النعمة، ودخل الناس في دينه أفواجاً، وحج بالناس وبين لهم شرائع
الدين، وأقام لهم مناسكهم، وقد نفر بعد إكمال المناسك فنزل في الموضع الذي
تقاسمت فيه قريش على الظلم والعدوان والقطيعة مراغمة للشرك، وإعلاناً
بالشكر لله على جميل صنعه ولطيف تدبيره.
فلما رمى في اليوم الثالث عشر
نفر إلى المحصب -خيف بني كنانة- فصلى هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء،
ثم هجع هجعة حتى ذهب هوي من الليل فاستيقظ –صلى الله عليه وسلم- ليسير بمن
معه إلى الكعبة، فيطوف طواف الوداع، وكانت عائشة –رضي الله عنها- قالت
لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- تلك الليلة: يا رسول الله، يرجع الناس
بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة –تشير إلى أنها لم تأتِ بعمرة مستقلة قبل حجها
كما صنع بقية أزواج النبي –صلى الله عليه وسلم-، وإنما كانت قارنة بسبب
حيضتها- فقال لها رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "يسعك طوافك بالبيت
لحجك وعمرتك، فأبتْ، وقالت: يا رسول الله يرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر
واحد، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، وكان رسول الله –صلى
الله عليه وسلم- رجلاً سهلاً إذا هويت شيئاً تابعها عليه فأمر أخاها عبد
الرحمن أن يذهب بها فيعمرها من التنعيم فذهبت فطافت وسعت ثم وافت رسول
الله –صلى الله عليه وسلم- وهو في طريقه في المحصب إلى مكة.
سار –صلى
الله عليه وسلم- إلى المسجد الحرام فطاف بالكعبة وصلى بالناس صلاة الصبح
يترسل في قراءته بسورة الطور، وكانت هذه آخر صلاة صلاها والكعبة وجاهه،
وآخر نظرات تملتها عيناه من بيت الله المعظم الذي طالما تملته ونظرت إليه.
ثم سرب –صلى الله عليه وسلم- من مكة من أسفلها من المكان المعروف
بالشبيكة، وسربت معه القبائل إلى بلادها، وتفرقت جموعها في فجاج الأرض بعد
أيام عظيمة مشهودة كانوا فيها مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وما
كانت هذه الجموع تدري أنه -وهو يودعها- كان يودع الدنيا، وأن أيامهم معه
هي أيامه الأخيرة مع الحياة، وأنه قد أنهى مهمته على الأرض وقضى ما عليه،
وإنما هي شهران وأيام ثم يلحق بالرفيق الأعلى والمحل الأسنى، فصلوات الله
وسلامه وبركاته على نبيه محمد النبي الصادق الأمين، وعلى آل بيته الطيبين
الطاهرين، وخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى
يوم الدين.
والـــســـلام عـــلـــيـــكـــم ورحـــمــــة الـــلـــه و بـــركـــاتـــه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://montada-raikoussama.yoo7.com
 
صفة حجة النبي- صلى الله عليه وسلم 4/4
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
RAIK OUSSAMA :: القسم الديني-
انتقل الى: